المنجي بوسنينة
137
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وإثر فرارهم من السّجن تتّفق المصادر على تفرّق كلمة المحكّمة إلى تيارين : تيّار دعا إلى العنف المطلق على رأسه نافع بن الأزرق ، وفريق دعا إلى الاستمرار على التقيّة والتّخطيط للمستقبل وعلى رأسهم عبد اللّه بن إباض ، وكان ذلك في اجتماع البصرة سنة 64 ه - 683 م « فقال ( عبد اللّه بن إباض ) لأصحابه : أعن هؤلاء أخرج معهم فخرج وكتم أمره » . إنّها لحظة ميلاد جماعة « أهل الدّعوة » أو « أهل الاستقامة » ، هذه الفرقة التي عرفت بعد ذلك بالإباضيّة نسبة إلى عبد اللّه بن إباض لأنّه أوّل من دعا إلى الاستمرار على مسلك الكتمان والاعتدال ، مسلك المحكّمة الأول إثر معركة النّهروان معتبرا أنّ استعمال العنف خروج عن الأصل . وفعلا سلك عبد اللّه بن إباض بمشورة الإمام جابر بن زيد مع من انضمّ إليهم من التيميّين والأزديّين وغيرهم مسلك القعود ، وانطلقوا يخطّطون في الكتمان المطلق للمرحلة اللّاحقة ، وقد أنيطت عهدة الإعلان عن آراء هذه الجماعة لابن إباض عند الحاجة إلى ذلك . وعلى هذا الأساس كانت المكاتبات بين ابن الأزرق وابن إباض كما جاء عند الطبريّ : « فكتب ابن الأزرق لهما كتابا فردّ عليه ابن إباض : قد كذب فيما يقول ، إنّ القوم كفّار بالنعم ، وهم براء من الشّرك ، ولا تحلّ لنا دماؤهم ، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام ، فقال ابن صفّار : برئ اللّه منك ، فقد قصرت ، وبرئ اللّه من ابن الأزرق فقد غلا ، وقال الآخر ( عبد اللّه بن إباض ) : « فبرئ اللّه منك ومنه . وتفرّق القوم . . [ تاريخ ، 5 / 566 ، 568 ] . وهكذا كان لا بدّ لهذه الجماعة التي يقودها الإمام جابر بن زيد من رجل منها ينافح عنها علنا فلم تجد أفضل من عبد اللّه بن إباض التميميّ - ولقبيلته وزن لا يستهان به في البصرة - وذلك حتّى تتمكّن السلطة القائمة من التمييز بين خوارج الجور وتطرّفهم وبين القعدة واعتدالهم . وفي هذا الإطار تندرج المراسلات بين عبد اللّه بن إباض وعبد الملك بن مروان هذه التي سكتت عنها المصادر غير الإباضيّة وأقرّتها النّصوص الإباضيّة خلفا عن سلف ، وهي وثيقة هامّة كشفت عن موقف الإباضيّة من أحداث صدر الإسلام من موت الرسول عليه السّلام إلى فترة عبد الملك بن مروان ( 86 ه - 705 م ) . ومنها قوله : « إنّا براء إلى اللّه من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه . لقد كان حين خرج على الإسلام في ما ظهر لنا ، ولكنّه أحدث وارتدّ وكفر بعد إسلامه ، فنبرأ إلى اللّه منهم » [ البرّادي ، جواهر ، 165 ] . هكذا تختفي أخبار عبد اللّه بن إباض في خلافة عبد الملك ابن مروان ، وقد أخطأ الحميري في ما ذكره عن رجوع ابن إباض إلى الاعتزال [ الحور العين ، 1985 ، ص 227 - 229 ] . كما خلط كلّ من الشهرستاني [ الملل ، 1977 ، ص 137 - 140 ] والرازي [ اعتقادات ، 1987 ، ص 64 ] بين عبد اللّه بن يحيى طالب الحقّ ، وعبد اللّه بن إباض ، والصحيح الذي لا مراء فيه باتفاق جميع